محمد عزة دروزة
13
التفسير الحديث
فتتخلَّق على صورة الإنسان وتبقى إلى مدة معينة ، ثم طفلا ثم يبلغ أشدّه من القوّة والتمييز . ومن الناس من يتوفّون من قبل أن يمتدّ بهم العمر ، ومنهم من يمتدّ بهم فيضعفون بعد قوة ويفقدون وعيهم بعد التمييز ، حتى لا يكادون يعلمون شيئا مما كانوا يعلمونه . ففي هذا بيان لهم ومثال على عظيم قدرة اللَّه . 2 - وعليهم أن يفكروا في الأرض فإنّها تكون هامدة جامدة ، فإذا ما أنزل اللَّه عليها الماء ، اهتزت ونفشت وتفتحت وأنبتت النباتات المتنوعة البهيجة . ففي هذا وذاك ما من شأنه أن يقنعهم بأن اللَّه هو الحقّ ، وأنه لا يمكن أن يكون خلق الخلق إلَّا بالحق ، وأنه قادر على كلّ شيء ، وأنه قادر بطبيعة الحال على إحياء الموتى ثانية . وبأن ما أخبر به رسوله من مجيء الساعة وبعث من في القبور إلى الحياة حق لا ريب فيه . والآيات غير منقطعة الصلة بالآيات السابقة حيث ما تزال تهتف بالناس . فقد بدأت السورة بإنذارهم بزلزلة الساعة والإهابة لهم لتقوى اللَّه ، وعقبت بذكر فئات الناس الذين يجادلون في اللَّه ، فجاءت هذه الآيات تقيم للناس البرهان على قيام الساعة ، وسخف المجادلين في اللَّه وضلالهم بما يرونه في أنفسهم وفي الأرض . وهذا الأسلوب بل وهذه المعاني والأمثلة لإقناع الناس بالبعث وقدرة اللَّه عليه وحكمته ، مما تكرر في القرآن كثيرا في مناسبات حكاية مواقف الجدل التي كانت تتكرر كثيرا في الموضوع ، والتي كانت مسألة البعث بعد الموت من أهمّ مواضيعها ومثيراتها . وقد يكون في الآيات دلالة على أنها وما قبلها نزلت في موقف من هذه المواقف . ولقد أورد ابن كثير في سياق هذه الآيات عدّة أحاديث . منها حديث عزاه إلى البخاري ومسلم عن ابن مسعود قال : « حدّثنا رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ، وهو الصادق المصدوق ، أن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين ليلة ، ثم يكون علقة مثل ذلك ، ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث اللَّه إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات ،